الرئيسية / حياة المرأة / حب / نحو إلاه رحمي منفتح.. من دين ذكري قاتل إلى إيمان أمومي روحي نوراني حر محب مبتهج!

نحو إلاه رحمي منفتح.. من دين ذكري قاتل إلى إيمان أمومي روحي نوراني حر محب مبتهج!

حسن ميّ النوراني

الدين شعور نفسي ذو منشأ رحمي. وتبدأ الرحمية مع تخصيب البويضة بحيوان منوي ذكري. البويضة تحتضن العنصر الذكري (المخترق لها) منذ اللحظة النشوئية الأولى. البويضة هي الرحم المبكر للحياة.

البسملة التي تُفتتح بها سور القرآن، (بسم الله الرحمان الرحيم)، تعزز هذا المذهب. كان العرب يؤمنون أيضا، بالإله (الرحمان). الرحمان والرحيم، اشتقاقان لغويان من الرحم.
المسيحية، وباعتبارها تطورا يهوديا، تعزز هذا المذهب، من خلال إيمانها بأن (الرب: ابن الرب عيسى) خرج من رحم.
لعل هذا يفسر ميل الإنسان الفطري (الفطرة = المبدأ المؤسس للحياة الإنسانية) للتدين.
يتحول الشعور الرحمي الفطري الديني، إلى فكر، باستخدام الخيال، الناشئ من المرحلة الرحمية، الذي ينشأ ويتطور (الخيال) بتطور ملكة التفكير. لعل هذا يفسر تفرد الإنسان، عن كل أشقائه في شجرة الحياة، بالتدين، شعورا وطقوسا.
الدين مطلب لكيان يحتاج لقوة أكبر تدعمه، وتحافظ عليه، وتمنحه الخلود، وتثيبه. الرحم، منذ البدء، يوفر للإنسان، حاجته الأساسية للبقاء.

الدين يتمحور حول معتقد الإيمان بإلاه، هو مصدر الدين.

الخيال الذي يبدع الإلاه، ينشأ من فعل متحقق هو علاقة النشء (الجنين) بالرحم.

هذا الفعل المتحقق، وما نشأ منه، من إيمان بإلاه، هو الدليل الصادق الوحيد على وجود إلاه.

الخيال المبدع للإلاه، يبدأ من فعل متحقق، هو علاقة الناشئ بالرحم، بكل مستويات الرحم، ابتداء من البويضة، مرورا بالرحم الأنثوي، وبالرحم الحياتي، وتصاعدا لرحم الكونات المطلق!

للشعور الرحمي الفطري الديني منشأ بيولوجي، إذ المرأة (الأنثى) هي الأصل البيولوجي (الخالق) للتنوع الجنسي المتطور من الأنثوية للأنثوية والذكرية. الدين ترجم الشعور الرحمي الفطري ذي المنشأ البيولوجي، بابداع خيال الإلاه الخالق. الأصل الأنثوي رحم خالق.

تجربة الخروج من الرحم، بقسوتها، تزيد من أهمية الرحم، للوليد، وتعزز الحاجة النفسية الجسدية للرجوع المستحيل لما قبل خبرة الانفصال الآمنة الحاضنة الغاذية الحافظة. الإيمان بإلاه آمن حاضن غاذي حافظ، تعويض مُتخيل عما نفقده، بعد انتهاء مرحلة الرحم.

الإيمان بإلاه يمنح الخلود، تعبير عن حاجة نفسية جسدية للعودة إلى الرحم، والبقاء فيه، بقاء خالدا!

الإلاه رحم خالد قوي مطلقا، يمنح البقاء الخالد، ويغذي ويحفظ. الإلاه يمنح الجنة التي فقدناها في رحم أمنا!

النار، تمثل عقوبة قوامها الحرمان من حق استعادة الرحم!

فعل التواصل الجنسي، من طرف الذكر، يجسد رغبته بالعودة من جديد لرحم الأم. هذه الرغبة خلقت إلاها ذكرا في الشعور اللاواعي. ولتسويغ فعل العودة الذكرية لرحم الأنثى، تحولت الأخيرة في الخيال الديني إلى موضوع مملوك للذكر الإلاه وللذكر الإنسان. الدين ذكوري في أغلب صوره, والإلاه ذكر إنسان شديد القوى. الخيال يحتاج إلى شديد القوى، ليشبع رغبة العودة المستحيلة لرحم الأم. ويحتاج إلى شديد القوى، ليستعيد امتلاك رحم الأم المفقود.

المرأة في المجتمعات التي تؤمن بإلاه ذكر، تمتلك مشاعر دينية أقوى من مشاعر الرجل. المرأة الأضعف اجتماعيا وجسديا، تحتاج أقوى مما يحتاج الرجل لإلاه تستسعيد به جنة الرحم الأمومي المفقودة.

تحتاج المرأة لشديد القوى، ليعيدها إلى الرحم، ليس جنينا، ولكن، رحما. وجود المرأة في رحمها. لذا، تحتاج لشديد القوى الذكر، لتحقق به وجودها الرحمي. لعل هذا يفسر تشبث المرأة بالدين، أكثر من تشبث الرجل به؛ فهو تشبث بوجودها الرحمي الخاص، وتَمَلُّك للذكورة، الإلاهية والإنسانية، تملكا يحقق لها وجودها الرحمي، المعادل لوجودها البيولوجي النفسي. الإيمان الديني، ينمي الشعور النفسي إلى امتداده الروحي، حيث الروح، ارتباط نفسي جسدي بقوة فائقة، يبدعها الخيال، لتمنحنا عوضا عن جنة الرحم الأمومي المفقودة في الواقع للأبد، التي يستبدلها الدين بجنة موعودة أبدية المدى، كما الروح، في الأدب الديني.

في وقت مبكر من تاريخ تجسد الدين في معتقدات وطقوس، كان الدين أموميا. وكان الخيال الإنساني، يرسم الإلاه، في صورة مرأة حامل. ظل هذا الخيال يربط المرأة الحامل بالدين، ما يجسده المعمار الفني للمعابد بما تضمه من قباب. القبة في المعابد، تجسد خيال اعتقادي قديم، يربط بين المرأة الحامل، والألوهية الدينية! ظهور المآذن جوار القباب، يجسد العلاقة التناسلية التي تحتاج لرحم أنثى وقضيب ذكر منتصب!

انهزمت فكرة الدين الأمومي، أمام فكرة الدين الأبوي الذكوري، لا نحياز المرأة الشعوري الروحي إلى إلاه ذكري شديد القوى، قادر على تعويض المرأة، برحم إلاهي مطلق، لا حد له، عادل ينصفها ويعيد لها، من خلال التماهي معه، حقها المستلب. تحتاج المرأة لرحم إلاهي شديد القوى مطلق  وممتنع على الانتهاء، ومنقذ في مواجهة الجرح النفسي الجسدي العميق الناتج عن صدمة الطرد القاسية من الرحم، ما أدى إلى الانفصال القاسي عن ذاتها، هذه القسوة أشد على الأنثى، لأنها قسوة فصلت الأنثى عن تماهيها مع ذاتيتها الوجودية: الرحمية!

دعمت الانحياز الأنثوي مستجسدات بيئية اجتماعية أفرزت حاجة أمنية نفسية جسدية لدور ذكوري، يؤديه رجل شديد القوى، ضد مخاطر واجهت حياة المرأة، وصغارها. من هذه الحاجة الأمنية، نشأت لدى الذكورة، مشاعر تفوق، مدعومة بقوة جسدية، منحتها حق الهيمنة على المرأة، والاستبداد، والتعامل معها بدونية، كما تجسد ذلك، النظرة المجتمعية لفعل التواصل الجنسي، باعتبارة نجس من عمل الشيطان (عدو الإلاه وعدو الإنسان في المعتقد الديني الذكري).

الصراع في سبيل الحفاظ على البقاء، أدى لتحول الإلاه من صورته الفطرية (الصادقة) لصورته الضالة: الصورة الذكرية!

ما تعاني الإنسانية من صراعات دامية، هو نتيجة مباشرة لتحول الإيمان الإلاهي الديني، من صورته الأمومية (الرحمية) إلى صورته الذكرية (:قضيب منتصب قاس يخترق المرأة بعدوانية، لا بحب مبتهج)!

بعد ما فقدت المرأة، ألوهيتها الرحمية في الواقع الاجتماعي، لجأت للإيمان بإلاه عادل يعيد لها وضعها الرحمي المفقود، ولتتماهى من خلال إيمانها به، بوظيفتها الرحمية الخالقة؛ لذا، تؤمن المرأة بإلاه خالق عادل شديد القوى! 

يعوض الإنسان فقدانه للأمن في رحم أمه بتخيل رحم إلاهي يمنحه ما فقده. يستخدم هذا التعويض آلية العلاقة ذاتها بين الجنين وبين رحم الأم: الاعتماد والتسليم والرضا. واستنادا لخبرة الانفصال الأولى التي عاناها، يخاف الانسان، فقدان الرحم الإلاهي فيطلب مرضاته.

يرتبط التأليه بالفعل الجنسي. التأليه نشاط مخي عقلي. يبدأ كلا المخ والهرمونات الجنسية، من منطلق واحد، وفي وقت واحد بالتكون في الجنين بعد وقت قصير من تخصيب البويضة.

التأليه رحمي المنشأ، رحمي الغاية. ينشأ التأليه من خبرتنا الرحمية، ويخلق (التأليه)، باستخدام الخيال المخي، رحما واسعا مطلقا هو الإلاه!

الفعل الجنسي هو منشأ الرحمية، وكل ما يرتبط بها، ببعدها الجسدي الذي يربط الذكر بالأنثى، وبعدها التخيلي، وما يُنتج من بعد روحي إيماني برحم مطلق خالد!

قصة الجنة الدينية الأولى، هي انعكاس خبرتنا الرحمية. الطرد من الجنة، هو الطرد من الرحم. الدين يعيدنا للجنة الموعودة، بفعل نشاط مخي تخيلي، يُلزمنا باسترضاء الخالق الإلاهي، كشرط لتملك الجنة الموعودة. هذا الاسترضاء، تشترطه الأنثى على ذكر يقوم باختراق مهبلها، للوصول بنفوذه إلى وضع بذرته في الرحم، ليتملك الرحم الذي طرده قبل ذلك. الأنثى ترضى بالاختراق الجنسي من رجل (إلاه) شديد القوى، ورحيم بها، يوفر لها الإخصاب، ويوفر لها أمنها، بعد أن تعود لتماهيها مع وظيفتها/ رسالتها الرحمية الأمومية.

طلب العودة للرحم، والإلحاح عليها، بإقامة علاقات جنسية متكررة، غير مرتبطة دائما بهدف الإنجاب، ولكنها مرتبطة بالجانب النفسي، من جهة الأنثى، ومن جهة الذكر، هو ما يعبر عنه دينيا، بالعودة للجنة الإلاهية التي سبق للإلاه (في الخيال الديني) أن طرد منها الأنثى وذكرها، بعد اكتشافهما سر الخلود الإنساني، وممارسة الفعل الجنسي تخفيا!

يلعب شقاء الحياة الإنسانية، دورا هاما في تعزيز مشاعر الدين الإلاهي. ويحلم الأشقياء بإلاه عادل ينصفهم من ظالميهم، يمنحهم جنة متخيلة، نشأ الحلم بها، من حلم العودة للرحم الإنثوي، حيث لم يكن هناك شقاء. في الرحم، ننعم بالحياة. الطرد من الرحم، مثل الطرد من الجنة الأولى، أسلم الأشقياء لشقائهم. يرتبط الشقاء، بالعجز. العاجز يحتاج لشديد قوى يقدر على حمايته. الإلاه الرحيم العادل شديد القوى، قادر على إنقاذ التعساء من ظالميهم ومن عجزهم ومن شقائهم. الإلاه المتخيل رحم مطلق يخلقه خيال الأشقياء!

الخوف عامل يعزز مشاعر التدين الإلاهي. نشأ الخوف من طرد الإنسان من الرحم. الرحم يوفر الأمن المطلق. فقدانه يفسر البحث عن الأمن المطلق بتخيل إلاه مطلق القوة، مطلق الرحمة، ومطلق البقاء.

الموت يطرد الإنسان مجددا من رحم الدنيا. الإيمان بحياة بعد الموت، يمنح الإنسان قوة يواجه بها خوفه من الموت، أو خوفه من الطرد من الحياة. ينهي الموت حلم العودة للرحم الأنثوي، وينهي معه الحياة في الواقع، ما يخلق لدى الإنسان، مخاوفه المطلقة، فيواجه هذه المخاوف بتخيل إلاه سيفتح له رحما خالدا وسيحظى فيه الذكر، بنعيم مقيم، وبحور عين، تمنحنه فرصة خالدة للعودة لرحم الأم. وفي الرحم الإلاهي الخالد، ستحظى المؤمنات، بامتلاك خالد لذواتهن الرحمية!

العودة للرحم، هي آلية الخلود الإنساني! ينطبق هذا، على الخلود الواقعي (الدنيوي بلغة الدين) وعلى الخلود الديني المتخيل. الأخير نشأ من طرد الرحم للجنين، ورغبة الإنسان في العودة الكاملة لجنة الرحم. العودة للرحم الأمومي، عودة مستحيلة بحكم الواقع؛ لذا، يحققها الخيال، بإبداع دين وإلاه، قادران على تحقيقها!

خلال تاريخ الدين، غلب الإلاه الذكر على الإلاه الأنثى. والدين الذكري يضع المرأة (=الرحم الأنثوي)، في مكانة دونية. تعود هذه الدونية لمشاعر كراهية باطنة، فاعلة، تعمل في النفس البشرية، كآلية دفاع تواجه عملية طرد الرحم للجنين. لن يعود الجنين لرحم أمه، هذا فعل حاسم، يقضي بخسارة الجنة الرحمية، فيعوضها الشعور نفسيا، بتخيل إلاه يمنح رحمه الواسع المطلق الخالد للمؤمنين به، مقابل رضا الإلاه عن المؤمن. سخط المطرود من رحم الأم، يستبدله المطرود بتخيل إلاه مطلق الرحمية، يمنحه رحميته إذا رضي عنه! مقابل دونية المرأة، لدى كل من الذكر والأنثى، يخلق التخيل الذكري إلاها متعاليا، مستكبرا، مستبدا، يمنح الذكر تسويغ علاقته الظالمة مع الأنثى، مرتكزا لتشريعه لدين يخلق من الإلاه صورة ذكرية متعالية مطلقة الحقوق، لا تُسأل عما تفعل!

مكانة المرأة دونية في مشاعر الذكر، تجسدت في تخيل إلاه ذكر ودين يضع المرأة في مكانة دونية!

مكانة المرأة دونية أيضا، في مشاعر الأنثى، هذا ما يجسده إيمانها بإلاه ذكري دينه يضع المرأة في مكانة دونية، في الدنيا والأخرة (الجنة=الرحم الإلاهي الخالد مطلق النعيم)!

بدأ التاريخ الإنساني الديني، بحادثة إغواء حواء لآدم (أصلا الإنسان بقول الدين)، وارتكابهما لجريمة (وفقا للدين) المعاشرة الجنسية للمرة الأولى، التي أغضبت الإلاه فطردهما، ومعهما إبليس الذي دفعهما لهذا الفعل. منذ هذه اللحظة، سقطت المرأة، لا من جنة الإلاه الأولى (رحمه الأول) المتخيلة فقط، ولكنها سقطت في نظرة الدين، وفي نظر المؤمنين به ذكورا وإناثا. بات الفعل الجنسي رجسا من عمل الشيطان. ويحرم الدين الفعل الجنسي مع مرأة حائض. الحيض عملية ذات ارتباط طبيعي بالدور الرحمي الجنسي للمرأة. الدين يصف معاشرة المرأة في حيضها، بالرجس، ويرده إلى الشيطان، الشيطان (إبليس) الذي اغوى الأبوين الأولين لفعل المعاشرة الجنسية.

رد الشعور الإنساني المكلوم من طرد الرحم النهائي للجنين، رد بقسوة على الرحم الإنثوي، فاذله، وهبط بمكانته، وربط دوره بالشيطان،الذي طرد الإنسان من الجنة (الرحم خالد النعيم)! الرد النفسي على الشعور المكلوم خلق رحما متخيلا بديلا مطلقا، تحتل المرأة فيه، مكانا هابطا، في الدنيا والآخرة على السواء!

حقَّ للإنسان أن ينكلم بخروجه من رحم الأم. هذا رد فعل طبيعي!

لكن، ضل الخيال الإنساني لدى رده على فعل خروجه من رحم أمه، وهو خروج طبيعي، في مسار صحيح!

الرحم الأمومي لا يستحق لومنا، والأم (المرأة) لا تستحق مكانة دونية وتحقير وقهر وامتهان!

تستحق الأم (لرحمها) الاحترام والإعلاء والإنصاف. إنها مبدعة الحياة وراعيتها. عندما يقوم رحم الأم، بنقل الجنين من داخله إلى خارجه، فهو يفعل ما يمليه عليه دوره الخالق للحياة. عندما تنتهي إمكانية بقاء الجنين حيا في الرحم، يقوم الأخير بنقل الجنين إلى رحم أقدر على رعاية الحياة. الأم لا تتخلى عن دور راعية الحياة في كل أطوارها. وهي تؤدي دورها بحب وبهجة!

نشأ الدين القائم، كرد فعل شعوري مصدوم مكلوم، باحث عن تعويض. شعور ضل في تقويمه لفعل تقدم الحياة من مرحلة الجنينية الرحمية الأمومية، إلى مرحلة أوسع مدى. الانتقال سيرورة طبيعية للحياة. لو لم يتم الانتقال، لأودى ذلك بحياة الجنين. دافع النقل هو الحب. ويتم النقل ببهجة أمومية عميقة، تتفوق على ألم الولادة الشديد!

يستطيع الوعي المحب المبتهج أن يحررنا من أسر مشاعر الكراهية للرحم، على كل مستوياته، ومن كل مشاعر سلبية نحو الأم، بكل مستوياتها: الأم الإنسانة والأم الحياة والأم الكونات كلها.

لا أرفض أن ينشأ دين من علاقتنا بالرحم. ولكني أدعو لتقويم علاقتنا بالرحم، بكل مستوياته، ابتداء من رحم الأنثى!

الواقع الإنساني القاسي الظالم البائس القاهر، يستدعي دينا رحميا محبا مبتهجا!

لا أنحاز لقطيعة مع تاريخ الروح وتاريخ الدين. دين للحب لا يدعو لقطيعة، هو يدعو لوصل، كما الوصل الذي ربط الأنوثة (البيضة) مع الذكورة (الحيوان المنوي). من شأن الوصل الناشئ على قاعدة الحب المبتهج، أن يوجه تاريخ الروح وتاريخ الدين، للتفوق على الكراهية الصراعات وقتل الآخر التدمير، كآليىة ضالة للحياة، إلى علاقات إنسانية وحياتية وكونية، تنتصر للحياة؛ لكل حياة!

الدين الرحمي المحب المبتهج، سينتصر لقيم الحياة، في مواجهتها لقوى الموت، بكل تجسداتها. الدين الرحمي المحب المبتهج دين للحياة، مقابل دين ذكري عدواني قاتل!

الرحم الذي يحتضن الحياة ويرعاها ويدفعها إلى أفق الحياة المفتوح، يفعل ذلك بحب مبتهج، وهو، مخلصا لفطرته، وفطرة الحياة، لا يدعم حروبا تقتل الحياة! هو يبدع الحياة، يحمل رسالة الحياة بحب مبتهج؛ لا يحمل الموت!

الحب يسبق بدأ التكوين الجنيني، ويؤسس له. علاقة الجنين بالرحم علاقة حب؛ حب حقيقي من جهة الأم: عطاء كامل، وحب نفعي من جهة الإبن: حب تملكي.

لا توجد مشكلة إذا ما خلق وعينا إلاها رحما محبا مبتهجا! الإيمان بإلاه حاجة روحية، يشهد التاريخ الإنساني، أنها حاجة لازمت الإنسان من وقت مبكر جدا! وهي حاجة تجسد حقيقة وجود إلاه، هو الرحم، بكل مستوياته: الأم+الحياة+الكونات!

الإلاه الرحمي المتخيل الناشئ من علاقتنا الرحمية هو إلاه يمتلك برهانه الموجود بوجود العلاقة ذاتها. فيما لا يتمتع أي برهان آخر على امتلاك ذاتي لمصداقيته.

نمنح الإلاه المتخيل حبنا ونتخيله محبا لنا أيضا. ويختلف حب الإلاه المتخيل لأجنة رحمه. يعود الخلاف لاختلاف صورة الإلاه المتخيل: هل هو إلاه حب مطلق، أم هو إلاه حب أناني تملكي؟!

يحتاج الإنسان وعيا يحررنا من حبنا التملكي الأناني، الذي يُنتج الكراهية والقسوة والظلم والاستبداد والبؤس والجهل والقهر!

نحتاج لرفع الإلاه من صندوق تخيلنا المغلق المظلم إلى أفق تخيلي روحي مفتوح حر في النور ومحب مبتهج!

حينئذ، سيكون لنا إيمان يمكننا من تحويل العالم من معاد إلى صديق، أي بديل تعويضي عن الرحم المفقود.

يتحدانا الواقع: العالم هو الرحم الذي ينقلنا رحم الأم إليه، لكن العالم مظلم قاس ظالم بائس قاهر، ويُنتج الكراهية؛ فكيف نخلق منه رحما صديقا يمنحنا الحب والبهجة والعدل والأمن والحرية في النور؟! هذا هو التحدي أمام أية دعوة جديدة. موقفي: الحب المبتهج، يستطيق أن يخلق من العالم رحما واقعيا بديلا؛ يستند إلى إيمان بإلاه رحمي محب مبتهج!

أنا أدعو لإيمان رحمي، يتأسس على وعي روحي كوني نوراني حر محب مبتهج!

ينطلق إيماني من إقراري أن رحمية الدين مشروعة. وأن العلاقة الدينية بالرحم يجب أن تنبع من حقيقة أن الإنسان يبدأ من لحظة حب، تقع في الرحم، يرعاها الرحم.

لحظة الحب الرحمي، هي المبدأ الوجودي للإنسان. علاقة الإنسان بالرحم، علاقة حب.

الدين علاقة بالرحم.

هكذا: الدين حب.

لا صحة لدين، لا يكون حبا.

حاجتنا للدين، هي حاجتنا للحب.

الرحم، منحنا الحب ومنحنا الدين أيضا.

الرحم منحنا الحب والدين، وجهين للحياة.

الذكورة، تنجذب للرحم، لكونه حبها الأصدق، ومكان نشأتها وحافظ بقائها ونموها!

الأنوثة، تكتمل في الرحم: هاذه وظيفتها ورسالتها: تجدد الحياة وحفظها ورعايتها، وحملها للانطلاق الحر المحب المبتهج في نور رحم الحياة والكونات!

نحتاج لإيمان رحمي، يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، إبتداء من كرامة الأم المرأة الرحم المؤسس الراعي للحياة!

نشأ الدين الذكري من شعور منغلق بحدود انغلاق الرحم الأنثوي الزمني المكاني. نحتاج لإيمان يفتح الشعور الإنساني المنغلق، فتحا روحيا نورانيا حرا محبا مبتهجا!

يُنتج الحرمان صورا متخيلة سحرية، تتحول إلى عالم يسكن منطقة الوهم، يعوضنا عن فقدان عالم واقعي كان ساحرا. فقد الإنسان جنة رحم الأم، فخلق رحما سحريا يجاوز الواقع.

عندما نفقد عالما كان سارا، وننتقل إلى عالم غير سار، تعبث الأحلام بمنامنا، وتنقلنا بخيال النائم إلى حال يلف حول ما فقدناه لعل فيه سلوى وعوضا، يتلاشيان إذا ما صحونا. بدءا مما فقدناه، نشأ الدين القائم في واهمتنا، سلوى لنا وعوضا.. وظلت حاجتنا إليه تلازمنا.. ظلت حاجتنا شوقا ساحرا لاستعادة ما فقدناه! هذا الشوق الساحر يملأ المؤمن ويترجمه بالشوق للقاء إلاهه، والموت في سبيله، شوقا للقائه، وشوقا لجنة رحمه الطليق!

بوعي حر من الأوهام، يمكن لما أن نواصل حياتنا الرحمية السارة، بإبداع تصور رحمي كوني، تبقى فيه الأنوثة الخالقة، ربتنا، كما كانتنا ربتنا ونحن أجنة في رحمها.. كانت الأنوثة ربتنا التي احتضنت حبا جمعها بذكر، فواصلت الحب وهي حامل، وواصلته وهي مرضعة وهي راعية تبذل أصدق الحب لا تطلب ثمنا..

فإذا بذلنا الحب لا نطلب عليه ثمنا، خلقنا عالم الحب وإلاه الحب وإيمان الحب وحرية الحب وكرامة الحب ومجد الحب وشريعة الحب وخير الحب.. والحب بطبعه الأصيل، نور حر مبتهج!

كانت لي صديقة أمريكية، خلال إقامتي بصنعاء، عاصمة اليمن، (بين 1990 و1995م) وكانت لا تؤمن بوجود إلاه. سألتها عن سبب عدم إيمانها بإلاه؛ فأجابت: لا أؤمن بإلاه يشار إليه بـ “هو”.. سأؤمن به عندما نشير إليه بـ “هي”!

في عدن، عاصمة جنوب اليمن، (وصلتها في تاريخ قريب من تاريخ اليوم، قبل 25 عاما، قادما من أبو ظبي)، حيث كنت أركب سيارة متجها منها إلى صنعاء، سألني رجل مساعدة. قلت بدون تفكير: “على الله”! ابتسم الرجل البائس، ورطن بلغة إنجليزية: أين هو؟! افتقاد هذا الرجل، وإنكار الأمريكية، للإلاه، يعود لعقيدة إلاه ذكري غير رحمي!

غزة – بيت لاهيا، 4 أغسطس 2015م

 

رسالة الحب المبتهج رح م

دعوة حسن ميّ النوراني